
في المناسبات نرى الكثير من البهرجات والملابس الأنيقة كبارًا وصغارُا، أرى قريبي الصغير وقد ارتدى بذلة مقلِّدًا مقيدًا بأنشوطة حول رقبته بالكاد تفسح مجالًا لدخول الهواء إلى عنقه، يرتدي حذاءَ وجوارب، يلفّه معطف والعديد من الأوامر والتحذيرات، لا يستطيع اللعب أو أكل الحلويات لئلا تتسخ الحلّة الجديدة، وقد يتعرض للتوبيخ ان ابتعد عن مكانه بدافع الفضول.
حين أرى حب الأطفال الدائم للعب والاستكشاف أتساءل: هل خُلق الأطفال للبس أبهى الثياب والجلوس بهدوء بجانب ذويهم, أم يحق لهم السير بحرية واستيعاب العالم؟ تجيب بياتريكس بوتر عن هذه التساؤلات في حكاية الأرنب بيتر.

“حكاية بيتر رابيت” الأرنب الذي كانت تملكه بياتريكس بوتر في طفولتها وأصبحت تمثل به في رسائلها التي كانت ترسلها لأطفال مربيتها السابقة، مصحوبةً بالحكايا والرسومات. نشرت قصة بيتر رابيت عام 1901م وأصبحت من أكثر قصص الأطفال شهرةً على الصعيد العالمي، حيث بيعت منها 45 مليون نسخة، وتُرجمت لنحو 36 لغة في العالم,
يمكنك قراءة حكاية بيتر من هنا, نعم الحكاية مقرصنة :d
إن أوجِزَت الحكاية فهي مثل أي قصة أطفال أخرى: توصي السيدة رابيت أبناءها بعدم الذهاب إلى مزرعة السيد مكغوردن أثناء ذهابها لشراء بعض الحاجيات، فضول بيتر، ووجود مالذ وطاب من الخضراوات شجعاه للذهاب متجاهلًا وصايا والدته.

ولج بيتر الحديقة مستمتعًا بأطيب الفواكه والخضار حتى لاحظه السيد مكغوردن وبدأت عملية المطاردة بين الإنسان والأرنب
واسطاع بيتر الفرار أخيرًا والعودة للمنزل مجهدًا تعِبا..
تعد حكاية الأرنب بيتر قصة تعليمية، حيث توضح العقوبات التي يواجهها بيتر إزاء عصيان والدته ومواجهته السيد مكغوردن في الحديقة، لكن القصة لا تتوقف هنا، فقد تكون الفكرة جليّة عند قراءتها، إلا أنها تحمل إشاراتٍ تناقض النص ذاته بوسائل أخرى، فترضي المجتمع وتننقده في قصة واحدة.
بياتريكس بوتر: مابين الحداثة والتقليد
قبل التوغّل في حكاية بيتر، علينا أن نعي مسوّغات الكاتبة الأساسية لإخراج قصتها في كتاب مصور
تعد بياتريكس من مناصري التربية الحداثية، حيث تنص على أن تنشئة الطفل السليمة تكمن في اكتشافه للطبيعة وعصيانه والديه، والتصرف بشكل أكثراستقلالية من اتخاذ للقرارات ومواجهة للعقوبات.
بينما تُعنَى التربية التقليدية بالطاعة التامّة: لبس الملابس الراقية والتصرف بتهذيب طوال الوقت، يمنع التعبير عن الآراء والمشاعر، أو أي تصرف نابع من الطفل ذاته، وكل مايجعله فردًا من هذا المجتمع، وإن حاول التصرف باستقلالية أكثر واجه عواقب وخيمة.
في عصر بوتر، يعد من الصعب التعبيرعن هذه الأفكار بشكل مباشر لتجنب تعرضها للهجوم من قِبل المجتمع التقليدي، ففي حالٍ كهذه، لجأت بياتريكس بوتر لما يسمى بأسلوب كتاب الصور “picturebook”
من أكثر المعلومات التي أثارت اهتمامي أثناء الدراسة، أن قصص الأطفال ليست سواء، حيث تختلف بأنواعها ومضامينها، فكتاب الصور الإيضاحية illustated book يخلف اختلافًا جذريًا عن كتاب الصور picturebook المعنيّ في حكايتنا هذه.
تعتمد كتب الصور الإيضاحية على النص اعتمادًا كليّا، وما وجدت هذه الرسومات إلا لتقريب المعنى وتزيين النص وبناء خيال القارئ، والقارئ الصغير على وجه الخصوص.
بينما يختلف كتاب الصور عن هذا السياق, حيث تعد الرسومات في كتاب الصور جزءًا لا يتجزأ من النص، بل يمكن أن يمثل قصة مختلفة تمامًا! مثل اللوحات التي يجدها متذوّقو الفن داخل لوحات أخرى، فنجد هنا قصةً داخل قصة أخرى.
يخضع كتاب الصور لعدة معايير ورموز في تصوير الكتاب، كشكل الإطار والألوان المستخدمة وغيرها، وكلها لها إيضاحات ودراسات قد يتم التفصيل فيها في تدوينة لاحقة.
قد نشهد نوعًا من “الانزلاق الدلالي” في حكاية بيتر، حيث ترسل الكلمة والصورة رسائل متضاربة. فتكتب بوتر فيما يرضي المجتمع التقليدي وتوجه من خلال رسوماتها دلالات حداثية.
أبرز الدلالات في حكاية بيتر:

حينما كانت السيدة رابيت توصي بناتها المطيعات: فلوبسي، موبسي وكوتن تيل بعدم الذهاب إلى حديقة السيد مكغوردن, نلاحظ إعراض بيتر عنها, حيث كان يحدق في الأفق متأهبًا لمغامرةٍ جديدة
تعد هذه الصورة مثالًا مباشرًا على الأسلوب التقليدي المذكور آنفًا، حيث تبدو والدة بيتر وكأنها تخنق طفلها بملابسٍ لائقة، ناهيك عن كونها غير مناسبة لطبيعة بيتر كحيوان أولًا ,،وطفل ثانيًا.

حينما حاول بيتر الفرار من مزرعة مستر مكغوردن، علق زر معطفه بأحد الشِباك، إلى أنه استطاع الفرار حينما نزع المعطف العالق، وانطلق بأقصى ما يستطيع راكضًا على أربع.
بمعنىً آخر، نجى بيتر فور انتزاعه مظاهر التقليد وانطلق بحرية، بطبيعته الحقيقية.
عاد بيتر إلى المنزل بصعوبة، مجهدًا من الركض والرعب، مرميًا بجانب المنزل بلا معطف ولا حذاء، أبدت الأم كل مظاهر التعاطف مع بيتر، بلا نهر ولا خِلاف، مما تعد من المظاهرالحداثية التي تقصدها بوتر.
تصرف السيدة رابيت يدعونا للسؤال
هل تعد أم بيتر تقليدية أم حداثية؟
تعد السيدة رابيت مصدر حيرة للنقاد, حيث تأمر بيتر بعدم البعد عن المنزل و تقيّده بالثياب، بيد أنها لم تفعل شيئًا فور عودته إلى المنزل، هل يستحق بيتر العقاب؟
نرى هنا مشهدَا ذكيَا من بياتريكس بوتر،حيث قدمت السيدة رابيت إلى البنات العشاء، بينما حظي بيتر بشاي البابونج مقدمًا في جرعات وكأنه دواء مما يعد عقابًا بلغة الطفل-لكن في الوقت ذاته، يعد شاي البابونج مهدئًا للأعصاب، حيث نرى بيتر متراعدًا في سريره. فهل كان عقابًا أم مواساة؟
تمثل هذه اللحظة تحديدًا أسلوب بياتريكس بوتر بين الحداثة والتقليد، وكأنها ترضي المجتمع التقليدي بتمثيل إعطاء بيتر للدوء المزعج، وترضي نزعاتها الحداثية بماهية هذا “الدواء”..
لا يمكنني إخفاء انبهاري بذكاء بياتريكس بوتر، فمن الصعب الجمع بين متضادين في مكان واحد، ناهيك عن وجوده في قصة للأطفال، مما جعلها من اكثر أعمال الأطفال شهرةً ونيلها إعجاب النقاد.
وبالعودة إلى قريبي فمامكث ساعة واحدة حتى خلع نصف ملابسه الزاهية متحررًا منها كبيتر ومعطفه الأزرق الشرير، وانطلق يلهو في أرجاء المنزل :).

