الحقيقة أنني لم أكتب أربعين قاعدة، اكتفيت ببعضها وتركت الباقي للعنوان الجاذب.
أو أن كرنجيات أليف شفق -رغم قوتها- لم تكمل الأربعين، وهذه نقطة تحسب للكاتبة التركية القديرة.
لا أنكر حبي لأعمال أليف شفق، أعدّها كاتبتي الأولى في الأدب التركي، قرأت حوالي 5 روايات أولاهن في سن السادسة عشرة، وما بين تقلباتي في الحياة وأينما يأخذني العمر ترافقني إحدى رواياتها، حتى عدت لقراءتها في السادسة والعشرين، عشر سنوات بين الرواية الأولى والأخيرة ابتدأتها بلقيطة إسطنبول وأقرأ حاليًا جزيرة الأشجار المفقودة.
مع تغير الزمن بطبيعة الحال تبدّل رأيي عند قراءتي للرواية الأخيرة، راودني شعور مثل إعادتك لمتابعة المسلسل الرومنسي الرخيص الذي اعتدت متابعته في المراهقة، كدت أغمض عيني لتفادي الفصول التي كتبت من منظور «الشجرة العاشقة»، حتى بدأت أستعيد ذكرياتي مع باقي أعمالها، لقيطة إسطنبول، قصر الحلوى، حليب أسود، بنات حواء الثلاث، وأخيرًا أشهرها قواعد العشق الأربعون، قلت «يا دين أم الكرنج»….. لكن القصة حلوة، وتتحدث عن قضية قبرص، تلك الجزيرة المقسومة إلى شطرين في حروبها وانتمائها فهل سأكمل الرواية بعد الصفحة المائة والخمسين؟
مشكلة أليف شفق (والوحيدة بنظري) محاولتها تبني الواقعية السحرية في أعمالها ، لكنها تقع في فخ إقحامها وتسخيفها حتى تصبح نصًا مبتذلًا قد يفسد قراءتك لكامل الرواية، ويا خسارة روعة السرد مقابل اللقطات الكرنجية المقحَمة.
فلو كنت كاتبًا يناقش قضية مهمة، ووددت أن تخربها في الركعة الأخيرة عليك بهذه القواعد.
أقحم مخلوقات سحرية لا مكان لها – لقيطة إسطنبول
في رواية لقيطة إسطنبول، تجول الكاتبة في حياة البطلة آسية بين خالاتها الثلاث ومهنهن وحيواتهن، وعلاقتهن بخالها البعيد وزوجته الأمريكية وابنتها الأرمنية، لتفتح ملف قضايا ومجازر الأرمن، وتطرح مواضيع حساسة وقضايا مغيّبة عرضت الكاتبة للمحاكمة.
كول صح؟ تخرب أليف الرواية بطريقة لا يمكن تصورها، فبعد قراءة أكثر من مئتي صفحة تكون متشوقًا لمعرفة والد آسية، وكيف ستتسلسل الأحداث وتجمع الخيوط حتى تظهر الحقيقة، ولكن لا! ربما الكاتبة «مالها خلق» أو تورطت في تسلسل الأحداث، فقررت جعل الخالة المتدينة تتحدث مع أحد الجن ليخبرها عن الوالد الحقيقي لآسية، انتقلت الكاتبة لوهلة إلى الواقعية السحرية وكأنها «توهقت» في النهاية ورمت مسؤولية الخبر على الجني، فكان دخولًا غريبًا وغير متوقع.
تبنّ شخصية غريب الأطوار – حليب أسود
أعد هذا الكتاب من أروع كتب السيرة الذاتية التي قرأتها،، تناولت فيه قضية النساء الكاتبات، مرورًا بالأمومة وحتى اكتئاب ما بعد الولادة، مستشهدةً بحياة النساء من الكاتبات مثل سيلفيا بلاث وزوجة تولستوي وغيرهنّ من النساء المؤثرات في تاريخ الأدب، وأثر الحياة الزوجية والأمومة عليهن.
بالرغم من روعة الموضوع وعكس أليف هذه القضية على حياتها الشخصية، قررت توزيع شخصيتها على مجموعة من النساء الصغيرات أسمتهن بنساء الأصابع يتهاوشن ويتناوشن على الدوام ويحاورنها في كل قراراتها، طريقة الشرح والتشبيه هذه غريبة ومحرجة للغاية، لم تناسبني، وكان بإمكانها سرد حياتها دون التطرق إلى النسوة الصغيرات واللجوء إلى ابتذال شخصية الكاتبة الويردو التي تتحدّث إلى شخصياتها.
اعتراف: فقرة النقاش مع نساء أليف تسميها بـ«جوقة أصوات الفوضى» وهي عبارة وضعتها في بايو تويتر، لكن يعني الكتاب رائع والإنسان يأخذ ما ينفعه، صح؟ 😔
اكتب فان فيكشن وألصقها بالصوفية – قواعد العشق الأربعون
كلما ذُكر اسم أليف شفق قُرن بهذه الرواية، حيث كانت الأكثر مبيعًا في تركيا، وفتحت الأبواب للكتّاب ليتداولوا الرومي بأقلامهم، والقراء بعيونهم، ويقال إنها شاعت حتى زادت السياحة إلى قونية!
تتحدث الرواية عن إيلا روبنشتاين التي حصلت على وظيفة قارئة في وكالة أدبية، لتبدأ بنقد رواية «الكفر الحلو» التي تتحدث عن جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، فتترك زوجها وأبناءها لتبحر في رحلة العشق مع كاتب الرواية عزيز زاهارا، مثل نظيرها جلال الدين الرومي الذي ترك دروسه وطلابه وصار يجوب المدينة طلبًا لرضا شمس وسعيًا لما يسمى بالعشق الإلهي، ربما كان من المفترض علي دراسة الصوفية حتى أفهم هذا النوع من العشق؟ أو أنها رواية أعتى من فهمي القاصر وقراءاتي المتواضعة.
لكن مزج القصتين في هذا السياق، إحداهما قصة حب والأخرى تبعية، لخبط القراء، فأصبحت كأنها «فان فيكشن»، ولو كُتبت في واتباد لربما كان لون شعر شمس أسودَ لول.
المضحك نقد إحدى قارئات الغرب حيث أشادت بعلاقة جلال الدين وشمس رغم القيود المجتمعية الإسلامية، لا تعليق….
ألهِب قلوب النبات- جزيرة الأشجار المفقودة
ربما مرت عليك بعض من الدراسات والتجارب حول مشاعر النبات، أتذكر لقطة عشوائية رأيتها في التلفاز لتجربة نمو النبات على مختلف الأصوات ما بين كلام إيجابي وسلبي وأغاني الهارد روك، تبين أن النبتة التي استمعت للهارد روك نمت أسرع من أخواتها، راعية ذوق فعلًا.
إذن فالنباتات تشعر، تنمو وتكبر حسب الضوء والوَنَس وعوامل أخرى قد لا نعلمها، لكن هل تقع في الحب؟
ما زلت في الصفحات الخمسين الأولى في الرواية وشعرت بالكرنج من البداية، تتحدث الرواية عن قصة حب بين مواطنين قبرصيين، إلا أنها تقع بين قبرصي يوناني وقبرصية تركية، وأي شخص لديه أدنى اطلاع على حال هذه الجزيرة يعلم حرمة هذا الحب، يغادر الحبيبان إلى لندن وينقل البطل غصنًا من شجرة التين معه إلى الغربة.
بدأت الرواية بنصوص مكتوبة من منظور الشخص الأول، فتظن أنها سيدة تحكي أحداث المنطقة حتى تسير بالفصول لتدرك أن الراوي شجرة تين عجوز، وقد يكون حديث الشجرة في هذه الحالة مقبولًا حيث يشهد الشجر على كل ما يجري في المكان، وتتبدل أوراقه وتتغير بحسب الوقت وكل ما فيه يدل على ما يحدث حولها، لكن المضحك جعل الشجرة عاشقة، عاشقة عشقًا حقيقيًا لا يغلف بالصوفية ولا الشجرية، والوصول إلى جزئية الشجرة العاشقة هو ما أوصلني إلى كتابة هذه السطور ولا أعلم إن كنت سأكمل الرواية مع كل الحشو الشجري والمحاضرات الزراعية المكتوبة فيها.
هل سأكمل الرواية؟ في الغالب نعم، فهذه علاقتي الدائمة مع روايات أليف شفق، تلك الكاتبة التركية عظيمة في سردها رغم كرنجياتها، ولو غضضت الطرف عنها، فستستمتع بأروع القصص الأدبية على الإطلاق!
واعذروني يا مجمع القراء والمثقفين، رواية قصر الحلوى عظيمة جدًا وتفوق قواعد العشق الأربعون بمراحل.
تنبيه: كتبت هذه المقالة من آراء شخصية بحتة، وما زلت معجبة ومحبة لأعمال أليف شفق، وفي الغالب سأستمر بالقراءة لها حتى 2036، وبعض آرائي معتمدة على ذاكرتي فقد أخلط في بعض التفاصيل والله أعلم.


