التصنيف: تأملات وتجارب

خواطر وتجارب شخصية وآراء

  • لا تبدأ من النهاية! ركّز على الرحلة

    لا تبدأ من النهاية! ركّز على الرحلة

    كم مرة خططت للتغيير في حياتك دون فائدة؟ تأتيك الأفكار والمشاريع العملاقة الساعة الثالثة فجرًا ويمحوها النوم، تنظر في إنجازات الآخرين: هذا كسب جائزة علمية، وذاك تفوق دراسيًا، وهناك من أسس عمله الخاص.

    نحن ننظر إلى إنجازات الآخرين كأحداث قائمة بذاتها، بعيدًا عن التفاصيل القابعة خلف هذا الإنجاز، تكتب في دفتر الملاحظات عناوين كبيرة وعامّة مثل خسارة الوزن وإنشاء مدونة والحصول على شهادة الماجستير وغيرها من الخطط التي تُكتَب بلا دراسة ولا تفصيل، وحالما تقع فريسةً للتسويف والخوف من اتخاذ الخطوة. الأهداف المحققة هي عبارة عن تفاصيل مجهرية، خطوات بسيطة لا تلقي لها بالًا تقودك إلى أكبر النجاحات!

    في رياضة ركوب الدراجات، عانى الفريق البريطاني من هزائم ساحقة على مدى عقود، وكانت ترفض الشركات تزويدهم بالدراجات خوفًا من التأثير على اسم العلامة بشكل سيئ😵‍💫.

    بقي الفريق على هذا الحال حتى ٢٠٠٣ بعد تولي ديف برايسفولد مسؤولية التدريب.

     كان برايسفولد يسير وفق الروتين المعتاد: تمارين بدنية وتغذية سليمة ومعدّات مناسبة. بيد أن الفارق كان بالحرص على أدق التفاصيل الصغيرة والهامشية أثناء فترة التدريب، فقد عمل برايسفولد ومساعدوه على تحسين التفاصيل المهملة وغير المتوقعة: أعادوا تصميم المقاعد لتكون أكثر راحة واختبروا زيوت التدليك لتحديد الأسرع في تعافي العضلات وعيّنوا مختصًا لتعليم المتسابقين أفضل طريقة لغسل أيديهم للحد من احتمالية الإصابة بالبرد، وحددوا نوع الوسادة والفراش المناسبَين لجودة نوم أفضل، حتى إنهم حرصوا على طلاء أرضية مقطورة الدراجات بالأبيض؛ لملاحظة أجزاء الغبار التي قد تؤثر على أداء الدراجات ولو بشكل بسيط.

     أدّت هذه التحسينات الطفيفة خلال خمس سنوات إلى تغيير مستقبل الدراجة البريطانية إلى الأبد! حيث توالت الانتصارات خلال عشر سنوات من ٢٠٠٧ وحتى ٢٠١٧  وفازالدرّاجون البريطانيون بـ ١٧٨  بطولة عالمية و ٦٦  ميدالية ذهبية أولمبية وحققوا ٥ انتصارات في سباق Tour de France في أكثر الفترات نجاحًا في تاريخ الدراجات🚴.

    استخدم المدرب برايسفولد أسلوبا يدعى “مجموع المكاسب الهامشية” The Aggregation Of Marginal Gains والذي يُعنى بتغيير شيء في حياتك بنسبة ١% فقط، في حين تبدو البداية غير ملحوظة بتاتًا، تظهر التغييرات مع الزمن، وهذا ما تنص عليه القاعدة: تفاصيل صغير بنتائج تراكمية.

    خذها بلغة الأرقام📝:

    إذا حسّنت شيئًا في حياتك بنسبة ١% كل يوم، فستتحسن ٣٧ مرة بنهاية العام! 

    يذكرني هذا الأسلوب بصانعي محتوى الاستثمار الناقدين على كوب القهوة المسكين الذي تشتريه كل يوم فتضيّع على نفسك شراء سيارة خلال خمسين سنة، يؤمن أعداء كوب القهوة بمبدأ التحسين بنسبة ١% في المال، فحين لا يبدو كوب القهوة مكلفًا الآن، إلا أنه يعد نتيجةً لتوفيرك أو إنفاقك على المدى البعيد.

    وكما توجد مكاسب هامشية، فهناك أضرار هامشية على النقيض، فحين تمارس عاداتٍ سيئة غير ملحوظة في الوهلة الأولى، تتفاقم بمرور السنين. هناك دراسة أجريت في أمريكا تنص على زيادة وزن الأمريكان في منتصف العمر من نصف إلى كيلوغرام سنويًا، وحين يبدو هذا الرقم طبيعيًا، إلا أنه يتزايد دون إدراك حتى يتسبب بمشاكل صحيّة وخيمة!.

    “كم تمنّيتُ مرور الأيام ونسيتُ أنها عمري”


    تحقيق الهدف يحتاج إلى الصبر والكثير من الواحد  بالمائة لإحداث التغيير، فما النجاح والفشل سِوى عادات صغيرة تتراكم وتتفاقم، جهّز دفتر الخطط، وابدأ بكتابة التغييرات الهامشية التي ستغير مجرى حياتك، فكما يقولون في أحد أغاني سبيستون “لا تستهن بصغائر الأمور فبعضها يعني الكثير”✨

  • الهدايا، ومفهوم التراحم والتعاقد لدى المسيري

    الهدايا، ومفهوم التراحم والتعاقد لدى المسيري


    في ظل استشارة عائلية بشأن هدية بمناسبة تخرج أحد الأصحاب، قيل لي: “إن لم يكن شخصا عزيزا لدرجة أن يهديك في تخرجك، فلا داعي لإهدائه في المقام الأول”. هذه العبارة فتحت المجال للعديد من الأسئلة حول مفهوم الإهداء،أنهدي لأننا نحب، أم أنها مجرد عَقد يُوفى به بين اثنين؟

    ما بين الإهداء والمقايضة، أعادني الأمر بالذاكرة لكتاب “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر” للدكتور عبدالوهاب المسيري، حيث طرح مفهومًا للعلاقات الإنسانية بالرجوع لعلماء الاجتماع الألمان ضمن مسارين: التراحم(Gemeinschaft) والتعاقد (Geselleschaft)

    نستطيع الجزم بمدلولات المسارين من الوهلة الأولى، حيث يشير التراحم إلى العلاقات الإنسانية المبنية بلبِنات شخصية وأخلاقية، بينما يشير التعاقد إلى العلاقات المجردة المبنية على عقد الصفقات. يُشير التراحم إلى المجتمع التقليدي في أغلب الأحيان، والذي يعتمد بشكلٍ كبير على الرحمة والرأفة بين أفراده دون انتظار مقابل منهم، أما التعاقد- وهو ما يصف المجتمع الحضاري الحديث- مبني على العقود التي تُصَرف بين فردين، أي يشخص التراحم الأشياء، بينما يشيئ التعاقد الأشخاص.

    “دعوت أستاذاً جامعيًّا وزوجته لطعام العشاء، وشاءت الظروف أن الزوجين انفصلا بعد دعوتنا، ولكننا فوجئنا بالزوجة تدعونا للعشاء برغم أن معرفتنا بها كانت سطحية لأقصى حد. ومع هذا رحبنا بالدعوة ظنًّا منا أنها تود أن تستمر الصداقة بيننا، وذهبنا لزيارتها، ولكنها كانت المرة الأولى والأخيرة، إِذ يبدو أن الزوجين بعد أن انفصلا وجدا أن من واجبهما رد الدين”، حيث إِن الزوج ذهب إِلى أريزونا، وكنت أنا وزوجتي من نصيب الزوجة، المقيمة في نيوجرسي، التي قامت بدعوتنا للعشاء من منطلق تعاقدي محض، مما خًّيب أملي وجعلني أشعر أنني ضيعت وقتي.”

    نشأ المسيري في دمنهور، القرية المصرية التي تمثل التراحم في كتابه، وانتقل للدراسة في بلاد أكثر تعاقدية: أمريكا. هذا الصدام الثقافي بين البيئتين وضح تفاوت التعاقدية والتراحمية بين المجتمع القروي المصري، أي دمنهور، والمجتمع الأمريكي المتمدن.

    يمتاز المجتمع التعاقدي بسعة جهاته، فهو يُدار بناء على أساس غير شخصي، فيوجد عقد وعلاقة مؤطرة بمسمى معين. على عكس المجتمع التراحمي المُدار بدائرة أصغر غير مرتبطة بالدولة بشكل مباشر، فهي لا تتعدى شيخ القبيلة أو العمدة وكبير العائلة. العلاقات التراحمية غير محددة للعالم؛ لأن التعامل ضمن الإطار التراحمي يكون حسب معرفة الأفراد الشخصية، غير مكتوبة بمسمى وعقد.

    ” كنا نساعد أحد الأصدقاء الأمريكيين في نقل أمتعته من منزل لآخر. ونال العطش من أختي فأخبرتها أن تطلب ماء من أحد الجيران لأننا كنا في الشارع (كما نفعل نحن في مصر وفي غيرها من البلدان). فذهبت إِلى الجارة التي كانت تقعد أمام منزلها وطلبت ماء، فقالت لها الجارة: ?Why should I لماذا أفعل ذلك؟” فلم تفهم أختي الإِجابة، وجاءت لأفسرها لها، فأخبرتها أن هذه إِجابة منطقية في إِطار التعاقد والنماذج الرياضية المادية، وأن هذه السيدة رفضت أن تعطيها ماء لأنه لا توجد بنود في العقد تنص على ذلك ولا توجد أي فائدة تعود عليها من هذا الفعل.”

    لا يمكننا الجزم بسوء التعاقد أو جودة التراحم في كل المسائل، فالتعاقد يعني القانون، ينظر التعاقد إلى الشيء لا الشخص على عكس التراحم. ففي مجال العمل يكون التعاقد لازمًا، إذ أن المسؤول يبحث في مهارات المتقدم لا لشخصه أو نسبه، أما اذا كانت العلاقة مبنية على التراحم فيصبح الأمر “واسطة”

    “ولا يمكن لأي مجتمع أن تقوم له قائمة إن لم يكن هناك احترام للتعاقد وما يتضمنه من حقوق وواجبات”.

    عبدالوهاب المسيري

    الهدايا بين فوضى التراحم والتعاقد:

    يسهب المسيري في شرح مفهوم الهدية التعاقدي والتراحمي، حيث يختلف معنى الهدية في المجتمع المصري و الأمريكي:

    “ويتبدى هذا الصراع بين التراحمية والتعاقدية في الهدية، فنظام “النقطة” في الأفراح المصرية يبدو كما لو كان عملية تبادلية مع أنه في واقع الأمر هو نظام للزكاة وتوزيع أجزاء الثروة. ففي داخل الأسرة الواحدة الممتدة يوجد دائمًا الأغنياء والفقراء، فكان الجميع يعطون العروس نقطة: مبلغ من المال يدس في يد العروس بحيث لا يراه أحد ولا يعرف مقداره. وفي عملية التبادل هذه يعطي الأثرياء نقطة تفوق بمراحل تلك التي يعطيها الفقراء لعروس الأثرياء.”

    نلاحظ تراحمًا ظاهرًا في مفهوم النقطة، حيث يتم تقديمها حسب مادية الفرد، لا مجرد تبادل تعاقدي في الأموال بحيث تمثل القيمة ذاتها.

    ومن ناحية الهدايا، توجد قيمة في مجتمعنا العربي في عدم فتح الهدية فور استلامها، ففكرة استلام الهدية المجردة تجعلها تراحمية، أما النظر في ماهيتها يحولها إلى سلوك تعاقدي، لأنها تحولها من فكرة إلى مادة.

    مفهوم الهدية التعاقدي واستقبال الهدايا وردها والنظر في قيمتها يذكرني بالتجارة قبل ٣٠٠٠ سنة، حيث كان البيع والشراء يتم بالمقايضة: السكر مقابل البيض، أنياب الفيل مقابل فراء الماعز وهكذا. فأرى الهدية التعاقدية مجرد تجارة مستحدثة. يتلقى الطفل عشرين هدية من زملائه في الصف لعيد ميلاده فيجد نفسه يشتري عشرين أخرى خلال العام في عملية تبادلية مستمرة، وقد يُكسر هذا التبادل حينما يهدي معلمه نهاية العام أو صديقه المفضل لأنه يحبه في إطار تراحمي مطلق.

    أما بشأن قصتي فقمت بشراء الهدية واستقبلتها صديقتي دون فتحها مما جعلها تراحمّية، أشهر معدودة ستبين إن ردّت بضاعتنا إلينا (: