في ظل استشارة عائلية بشأن هدية بمناسبة تخرج أحد الأصحاب، قيل لي: “إن لم يكن شخصا عزيزا لدرجة أن يهديك في تخرجك، فلا داعي لإهدائه في المقام الأول”. هذه العبارة فتحت المجال للعديد من الأسئلة حول مفهوم الإهداء،أنهدي لأننا نحب، أم أنها مجرد عَقد يُوفى به بين اثنين؟
ما بين الإهداء والمقايضة، أعادني الأمر بالذاكرة لكتاب “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر” للدكتور عبدالوهاب المسيري، حيث طرح مفهومًا للعلاقات الإنسانية بالرجوع لعلماء الاجتماع الألمان ضمن مسارين: التراحم(Gemeinschaft) والتعاقد (Geselleschaft)
نستطيع الجزم بمدلولات المسارين من الوهلة الأولى، حيث يشير التراحم إلى العلاقات الإنسانية المبنية بلبِنات شخصية وأخلاقية، بينما يشير التعاقد إلى العلاقات المجردة المبنية على عقد الصفقات. يُشير التراحم إلى المجتمع التقليدي في أغلب الأحيان، والذي يعتمد بشكلٍ كبير على الرحمة والرأفة بين أفراده دون انتظار مقابل منهم، أما التعاقد- وهو ما يصف المجتمع الحضاري الحديث- مبني على العقود التي تُصَرف بين فردين، أي يشخص التراحم الأشياء، بينما يشيئ التعاقد الأشخاص.
“دعوت أستاذاً جامعيًّا وزوجته لطعام العشاء، وشاءت الظروف أن الزوجين انفصلا بعد دعوتنا، ولكننا فوجئنا بالزوجة تدعونا للعشاء برغم أن معرفتنا بها كانت سطحية لأقصى حد. ومع هذا رحبنا بالدعوة ظنًّا منا أنها تود أن تستمر الصداقة بيننا، وذهبنا لزيارتها، ولكنها كانت المرة الأولى والأخيرة، إِذ يبدو أن الزوجين بعد أن انفصلا وجدا أن من واجبهما رد الدين”، حيث إِن الزوج ذهب إِلى أريزونا، وكنت أنا وزوجتي من نصيب الزوجة، المقيمة في نيوجرسي، التي قامت بدعوتنا للعشاء من منطلق تعاقدي محض، مما خًّيب أملي وجعلني أشعر أنني ضيعت وقتي.”
نشأ المسيري في دمنهور، القرية المصرية التي تمثل التراحم في كتابه، وانتقل للدراسة في بلاد أكثر تعاقدية: أمريكا. هذا الصدام الثقافي بين البيئتين وضح تفاوت التعاقدية والتراحمية بين المجتمع القروي المصري، أي دمنهور، والمجتمع الأمريكي المتمدن.
يمتاز المجتمع التعاقدي بسعة جهاته، فهو يُدار بناء على أساس غير شخصي، فيوجد عقد وعلاقة مؤطرة بمسمى معين. على عكس المجتمع التراحمي المُدار بدائرة أصغر غير مرتبطة بالدولة بشكل مباشر، فهي لا تتعدى شيخ القبيلة أو العمدة وكبير العائلة. العلاقات التراحمية غير محددة للعالم؛ لأن التعامل ضمن الإطار التراحمي يكون حسب معرفة الأفراد الشخصية، غير مكتوبة بمسمى وعقد.
” كنا نساعد أحد الأصدقاء الأمريكيين في نقل أمتعته من منزل لآخر. ونال العطش من أختي فأخبرتها أن تطلب ماء من أحد الجيران لأننا كنا في الشارع (كما نفعل نحن في مصر وفي غيرها من البلدان). فذهبت إِلى الجارة التي كانت تقعد أمام منزلها وطلبت ماء، فقالت لها الجارة: ?Why should I لماذا أفعل ذلك؟” فلم تفهم أختي الإِجابة، وجاءت لأفسرها لها، فأخبرتها أن هذه إِجابة منطقية في إِطار التعاقد والنماذج الرياضية المادية، وأن هذه السيدة رفضت أن تعطيها ماء لأنه لا توجد بنود في العقد تنص على ذلك ولا توجد أي فائدة تعود عليها من هذا الفعل.”
لا يمكننا الجزم بسوء التعاقد أو جودة التراحم في كل المسائل، فالتعاقد يعني القانون، ينظر التعاقد إلى الشيء لا الشخص على عكس التراحم. ففي مجال العمل يكون التعاقد لازمًا، إذ أن المسؤول يبحث في مهارات المتقدم لا لشخصه أو نسبه، أما اذا كانت العلاقة مبنية على التراحم فيصبح الأمر “واسطة”
“ولا يمكن لأي مجتمع أن تقوم له قائمة إن لم يكن هناك احترام للتعاقد وما يتضمنه من حقوق وواجبات”.
عبدالوهاب المسيري
الهدايا بين فوضى التراحم والتعاقد:
يسهب المسيري في شرح مفهوم الهدية التعاقدي والتراحمي، حيث يختلف معنى الهدية في المجتمع المصري و الأمريكي:
“ويتبدى هذا الصراع بين التراحمية والتعاقدية في الهدية، فنظام “النقطة” في الأفراح المصرية يبدو كما لو كان عملية تبادلية مع أنه في واقع الأمر هو نظام للزكاة وتوزيع أجزاء الثروة. ففي داخل الأسرة الواحدة الممتدة يوجد دائمًا الأغنياء والفقراء، فكان الجميع يعطون العروس نقطة: مبلغ من المال يدس في يد العروس بحيث لا يراه أحد ولا يعرف مقداره. وفي عملية التبادل هذه يعطي الأثرياء نقطة تفوق بمراحل تلك التي يعطيها الفقراء لعروس الأثرياء.”
نلاحظ تراحمًا ظاهرًا في مفهوم النقطة، حيث يتم تقديمها حسب مادية الفرد، لا مجرد تبادل تعاقدي في الأموال بحيث تمثل القيمة ذاتها.
ومن ناحية الهدايا، توجد قيمة في مجتمعنا العربي في عدم فتح الهدية فور استلامها، ففكرة استلام الهدية المجردة تجعلها تراحمية، أما النظر في ماهيتها يحولها إلى سلوك تعاقدي، لأنها تحولها من فكرة إلى مادة.
مفهوم الهدية التعاقدي واستقبال الهدايا وردها والنظر في قيمتها يذكرني بالتجارة قبل ٣٠٠٠ سنة، حيث كان البيع والشراء يتم بالمقايضة: السكر مقابل البيض، أنياب الفيل مقابل فراء الماعز وهكذا. فأرى الهدية التعاقدية مجرد تجارة مستحدثة. يتلقى الطفل عشرين هدية من زملائه في الصف لعيد ميلاده فيجد نفسه يشتري عشرين أخرى خلال العام في عملية تبادلية مستمرة، وقد يُكسر هذا التبادل حينما يهدي معلمه نهاية العام أو صديقه المفضل لأنه يحبه في إطار تراحمي مطلق.
أما بشأن قصتي فقمت بشراء الهدية واستقبلتها صديقتي دون فتحها مما جعلها تراحمّية، أشهر معدودة ستبين إن ردّت بضاعتنا إلينا (:

اترك تعليقاً