الكاتب: –

  • قواعد الكرنج الأربعون، كيف تخرب أعمالك مثل أليف شفق

    قواعد الكرنج الأربعون، كيف تخرب أعمالك مثل أليف شفق

    الحقيقة أنني لم أكتب أربعين قاعدة، اكتفيت ببعضها وتركت الباقي للعنوان الجاذب.
    أو أن كرنجيات أليف شفق -رغم قوتها- لم تكمل الأربعين، وهذه نقطة تحسب للكاتبة التركية القديرة.

    لا أنكر حبي لأعمال أليف شفق، أعدّها كاتبتي الأولى في الأدب التركي، قرأت حوالي 5 روايات أولاهن في سن السادسة عشرة، وما بين تقلباتي في الحياة وأينما يأخذني العمر ترافقني إحدى رواياتها، حتى عدت لقراءتها في السادسة والعشرين، عشر سنوات بين الرواية الأولى والأخيرة ابتدأتها بلقيطة إسطنبول وأقرأ حاليًا جزيرة الأشجار المفقودة.

    مع تغير الزمن بطبيعة الحال تبدّل رأيي عند قراءتي للرواية الأخيرة، راودني شعور مثل إعادتك لمتابعة المسلسل الرومنسي الرخيص الذي اعتدت متابعته في المراهقة، كدت أغمض عيني لتفادي الفصول التي كتبت من منظور «الشجرة العاشقة»، حتى بدأت أستعيد ذكرياتي مع باقي أعمالها، لقيطة إسطنبول، قصر الحلوى، حليب أسود، بنات حواء الثلاث، وأخيرًا أشهرها قواعد العشق الأربعون، قلت «يا دين أم الكرنج»….. لكن القصة حلوة، وتتحدث عن قضية قبرص، تلك الجزيرة المقسومة إلى شطرين في حروبها وانتمائها فهل سأكمل الرواية بعد الصفحة المائة والخمسين؟

    مشكلة أليف شفق (والوحيدة بنظري) محاولتها تبني الواقعية السحرية في أعمالها ، لكنها تقع في فخ إقحامها وتسخيفها حتى تصبح نصًا مبتذلًا قد يفسد قراءتك لكامل الرواية، ويا خسارة روعة السرد مقابل اللقطات الكرنجية المقحَمة.

    فلو كنت كاتبًا يناقش قضية مهمة، ووددت أن تخربها في الركعة الأخيرة عليك بهذه القواعد.

    أقحم مخلوقات سحرية لا مكان لها – لقيطة إسطنبول

    في رواية لقيطة إسطنبول، تجول الكاتبة في حياة البطلة آسية بين خالاتها الثلاث ومهنهن وحيواتهن، وعلاقتهن بخالها البعيد وزوجته الأمريكية وابنتها الأرمنية، لتفتح ملف قضايا ومجازر الأرمن، وتطرح مواضيع حساسة وقضايا مغيّبة عرضت الكاتبة للمحاكمة.

    كول صح؟ تخرب أليف الرواية بطريقة لا يمكن تصورها، فبعد قراءة أكثر من مئتي صفحة تكون متشوقًا لمعرفة والد آسية، وكيف ستتسلسل الأحداث وتجمع الخيوط حتى تظهر الحقيقة، ولكن لا! ربما الكاتبة «مالها خلق» أو تورطت في تسلسل الأحداث، فقررت جعل الخالة المتدينة تتحدث مع أحد الجن ليخبرها عن الوالد الحقيقي لآسية، انتقلت الكاتبة لوهلة إلى الواقعية السحرية وكأنها «توهقت» في النهاية ورمت مسؤولية الخبر على الجني، فكان دخولًا غريبًا وغير متوقع.

    تبنّ شخصية غريب الأطوار – حليب أسود

    أعد هذا الكتاب من أروع كتب السيرة الذاتية التي قرأتها،، تناولت فيه قضية النساء الكاتبات، مرورًا بالأمومة وحتى اكتئاب ما بعد الولادة، مستشهدةً بحياة النساء من الكاتبات مثل سيلفيا بلاث وزوجة تولستوي وغيرهنّ من النساء المؤثرات في تاريخ الأدب، وأثر الحياة الزوجية والأمومة عليهن.

    بالرغم من روعة الموضوع وعكس أليف هذه القضية على حياتها الشخصية، قررت توزيع شخصيتها على مجموعة من النساء الصغيرات أسمتهن بنساء الأصابع يتهاوشن ويتناوشن على الدوام ويحاورنها في كل قراراتها، طريقة الشرح والتشبيه هذه غريبة ومحرجة للغاية، لم تناسبني، وكان بإمكانها سرد حياتها دون التطرق إلى النسوة الصغيرات واللجوء إلى ابتذال شخصية الكاتبة الويردو التي تتحدّث إلى شخصياتها.

    اعتراف: فقرة النقاش مع نساء أليف تسميها بـ«جوقة أصوات الفوضى» وهي عبارة وضعتها في بايو تويتر، لكن يعني الكتاب رائع والإنسان يأخذ ما ينفعه، صح؟ 😔

    اكتب فان فيكشن وألصقها بالصوفية – قواعد العشق الأربعون

    كلما ذُكر اسم أليف شفق قُرن بهذه الرواية، حيث كانت الأكثر مبيعًا في تركيا، وفتحت الأبواب للكتّاب ليتداولوا الرومي بأقلامهم، والقراء بعيونهم، ويقال إنها شاعت حتى زادت السياحة إلى قونية!

    تتحدث الرواية عن إيلا روبنشتاين التي حصلت على وظيفة قارئة في وكالة أدبية، لتبدأ بنقد رواية «الكفر الحلو» التي تتحدث عن جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، فتترك زوجها وأبناءها لتبحر في رحلة العشق مع كاتب الرواية عزيز زاهارا، مثل نظيرها جلال الدين الرومي الذي ترك دروسه وطلابه وصار يجوب المدينة طلبًا لرضا شمس وسعيًا لما يسمى بالعشق الإلهي، ربما كان من المفترض علي دراسة الصوفية حتى أفهم هذا النوع من العشق؟ أو أنها رواية أعتى من فهمي القاصر وقراءاتي المتواضعة.

    لكن مزج القصتين في هذا السياق، إحداهما قصة حب والأخرى تبعية، لخبط القراء، فأصبحت كأنها «فان فيكشن»، ولو كُتبت في واتباد لربما كان لون شعر شمس أسودَ لول.

    المضحك نقد إحدى قارئات الغرب حيث أشادت بعلاقة جلال الدين وشمس رغم القيود المجتمعية الإسلامية، لا تعليق….

    ألهِب قلوب النبات- جزيرة الأشجار المفقودة

    ربما مرت عليك بعض من الدراسات والتجارب حول مشاعر النبات، أتذكر لقطة عشوائية رأيتها في التلفاز لتجربة نمو النبات على مختلف الأصوات ما بين كلام إيجابي وسلبي وأغاني الهارد روك، تبين أن النبتة التي استمعت للهارد روك نمت أسرع من أخواتها، راعية ذوق فعلًا.

    إذن فالنباتات تشعر، تنمو وتكبر حسب الضوء والوَنَس وعوامل أخرى قد لا نعلمها، لكن هل تقع في الحب؟

    ما زلت في الصفحات الخمسين الأولى في الرواية وشعرت بالكرنج من البداية، تتحدث الرواية عن قصة حب بين مواطنين قبرصيين، إلا أنها تقع بين قبرصي يوناني وقبرصية تركية، وأي شخص لديه أدنى اطلاع على حال هذه الجزيرة يعلم حرمة هذا الحب، يغادر الحبيبان إلى لندن وينقل البطل غصنًا من شجرة التين معه إلى الغربة.

    بدأت الرواية بنصوص مكتوبة من منظور الشخص الأول، فتظن أنها سيدة تحكي أحداث المنطقة حتى تسير بالفصول لتدرك أن الراوي شجرة تين عجوز، وقد يكون حديث الشجرة في هذه الحالة مقبولًا حيث يشهد الشجر على كل ما يجري في المكان، وتتبدل أوراقه وتتغير بحسب الوقت وكل ما فيه يدل على ما يحدث حولها، لكن المضحك جعل الشجرة عاشقة، عاشقة عشقًا حقيقيًا لا يغلف بالصوفية ولا الشجرية، والوصول إلى جزئية الشجرة العاشقة هو ما أوصلني إلى كتابة هذه السطور ولا أعلم إن كنت سأكمل الرواية مع كل الحشو الشجري والمحاضرات الزراعية المكتوبة فيها.

    هل سأكمل الرواية؟ في الغالب نعم، فهذه علاقتي الدائمة مع روايات أليف شفق، تلك الكاتبة التركية عظيمة في سردها رغم كرنجياتها، ولو غضضت الطرف عنها، فستستمتع بأروع القصص الأدبية على الإطلاق!

    واعذروني يا مجمع القراء والمثقفين، رواية قصر الحلوى عظيمة جدًا وتفوق قواعد العشق الأربعون بمراحل.

    تنبيه: كتبت هذه المقالة من آراء شخصية بحتة، وما زلت معجبة ومحبة لأعمال أليف شفق، وفي الغالب سأستمر بالقراءة لها حتى 2036، وبعض آرائي معتمدة على ذاكرتي فقد أخلط في بعض التفاصيل والله أعلم.

  • هل قرأ هيدياكي أنو لغسان كنفاني؟

    هل قرأ هيدياكي أنو لغسان كنفاني؟

    لا أظن أن أحدًا ينسى ما حدث أيام الحجر المنزلي. ذاك المكوث القسري في المنزل لأيامٍ طويلة، تبقى وحدك بلا ساعات عمل أو دراسة أو اختلاط بالناس، أنت وأنت فقط.
    طغى خوفي من نفسي على خوفي من المرض، فكنت أهرب من مواجهتي، فأغرق في القراءة والمتابعة… في أي شيٍء أذوب فيه.
    ضمن محاولات الهروب هذه، شاهدت فلم The End of Evangelion (1997)، وتلته مصادفةً قراءتي لرواية أرض البرتقال الحزين. ورغم اختلافهما المحض، جمعتهما صرخة واحدة في وجه الجَمع، ومقاومة قمع الفرد وتذويبه في كيان واحد.

    قد تبدو هذه التدوينة ضربًا من أحلام العصر، فلا أظن أن هناك ما يجمع كاتبًا فلسطينيًا من الستينات بمخرج أنمي أواخر التسعينات، ولكنهما صورة واحدة في إطارين مختلفين. وفي زمن تتسارع فيه محاولات تشكيل «هوية جماعية» سواء بالخطاب السياسي أو الاجتماعي أو حتى الثقافي، تبدو هذه الفكرة ملحّة أكثر من أي وقت مضى.

    فماذا يبقى من الأنسان حين يذوب، ويصبح كلًا من كل؟

    نهاية إيفانجليون: مشروع تكامل الإنسان.

    أنتج إيفانجليون في أواخر التسعينات، تبدأ الحلقات بأبطال مراهقين يقودون روبوتات ضخمة لقتال وحوش تلقب بـ«الملائكة»، حتى تستمر بمتابعة الحلقات وتكتشف أنه يناقش أفكارًا أعمق، لتتحول الحروب ما بين الوحوش والآلة إلى الإنسان وذاته، وتنتهي منه بثلاث عقد نفسية ومليون سؤال 😀

    انتهى الأنمي بـ26 حلقة، أثارت النهاية جدلًا واسعًا بين المعجبين، حتى أعيد بناء آخر حلقتين في فلمنا المعني، بنهاية أكثر وضوحًا وتعقيدًا، تتوغل في نفس شينجي مستعرضة الكارثة النفسية والوجودية التي يعيشها والبشرية جمعاء. يناقش فقدان المعنى ، والرغبة في الهروب من الألم والخلاص عبر الذوبان في الآخر.

    تصل فكرة الذوبان إلى ذروتها في الثلث الأخير من الفلم، حين يفشل شينجي في بناء علاقات بمن حوله، ويبدأ كل ما بداخله بالتداعي، يبدأ البشر بالذوبان (حرفيًا) في سائل برتقالي سمّي بـ LCL في محاولة لصهرهم وتحويلهم إلى كيان واحد يحميهم من آلامهم وصراعاتهم، تلغى الحواجز النفسية، ويصبح الناس حالة مجرّدة وآمنة.

    قد يبدو هذا الذوبان في سياق إيفانجليون نوعًا من الخلاص، إلا أنه يعد هروبًا من الذات، وهذا ما رفضه شينجي في النهاية حيث اختار العودة إلى ذاته رغم هشاشتها، فمن حق الإنسان أن يواجه ذاته مهما اشتدت وطأة الرحلة.

    وفي سياق يعُد هذا الذوبان خيارًا، فهو قمع وقسر في روايةٍ أخرى، رواية أكثر واقعية، يعاني منها اللاجئ الفلسطيني منذ النكبة وحتى اليوم.

    أبعد من الحدود: تذويب اللاجئ من إنسان إلى «حالة».

    أرض البرتقال الحزين سلسلة قصصية كُتِبت عام 1962 على يد المناضل غسان كنفاني، تحكي قهر الفلسطيني في اللجوء والمنفى، وجوه هشّة، تحاول النجاة أو الفهم -وغالبًا ما تفشل في الحالتين- لتحكي عن الفلسطيني كإنسان تائه في قضية تكبره، بعيدًا عن الخطابات البطولية ورمزيات النضال.

    «لقد حاولوا أن يذوبوني كقطعة سكر في فنجان شاي ساخن، وبذلوا، يشهد الله، جهدّا عجيبًا من أجل ذلك، لكني ما أزال موجودّا رغم كل شيء.»

    تفتتح السلسلة بالقصة القصيرة أبعد من الحدود، على لسان أحد اللاجئين الهاربين السجن، مخاطبًا المسؤول:

    « ولكن يا سيدي، تذويب مليون إنسان معًا، ثم جعلهم شيئًا واحدًا متوحدًا، ليس عملًا سهلًا، ولذلك أعتقد أنك تسمح له إن احتاج ذلك الوقت الطويل… لقد أفقدتم أولئك المليون صفاتهم الفردية المميزة… ولستم في حاجة، الآن، إلى تمييز وتصنيف، أنتم الآن أمام حالة… فإذا خطر لكم أن تسموها لصوصية، فإنهم لصوص… خيانة؟ كلهم، إذن، خونة! فلماذا الإرهاق والتعب والنظرات البشرية المعقدة؟»

    تكشف القصة عن الحالة المأساوية التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني بما يُفقِده هويته، فترى الطبيب والمريض واللص والشرطي محشورون في كابوسٍ يسمى الملجأ، يذيبهم العدو ويجمعهم في حالة واحدة، كلهم لاجئون.

    يعد تجريد الإنسان الفلسطيني من إنسانيته واحدًا من الجرائم الناعمة التي يفعلها المحتل، فيجعله جزءًا من كل، حالة تجارية وسياحية يكوّن فيها الهلام البشري مزارًا للسياح، وديكورًا للصور ورمزًا للخطابات، وجزءًا من مؤسسات الحياة السياسية التي تدرّ الربح. يذوب الفلسطيني في ذاكرة جماعية لا تمنحه خيارًا فرديًا، موتٌ بطيء لكل ما يجعل الإنسان إنسانًا: اسمه وصوته، وحقه في أن يكون شيئًا وحده.ٌ

    رغم تشابه الفكرتين لكنهما تختلفان، ففي الوقت الذي كان هذا الذوبان في نهاية إيفانجليون خيارًا، يعدّه كنفاني نوعًا من القمع الممنهج، جريمة بحق الفرد و الفردية، تجعله سلعة في سوق النضال والمعاناة.

    ربما لا حاجة لأن يقرأ أنو لكنفاني، ولن تجد بين اللاجئ الفلسطيني والمراهق الياباني أي جسرٍ مباشر. فمهما تغيرت المعطيات وبعدت المسافات تلتقيان في نقطة واحدة: رغبة الإنسان أن يبقى نفسه، في مقاومة كل ما يحاول ابتلاعه.

  • لا تبدأ من النهاية! ركّز على الرحلة

    لا تبدأ من النهاية! ركّز على الرحلة

    كم مرة خططت للتغيير في حياتك دون فائدة؟ تأتيك الأفكار والمشاريع العملاقة الساعة الثالثة فجرًا ويمحوها النوم، تنظر في إنجازات الآخرين: هذا كسب جائزة علمية، وذاك تفوق دراسيًا، وهناك من أسس عمله الخاص.

    نحن ننظر إلى إنجازات الآخرين كأحداث قائمة بذاتها، بعيدًا عن التفاصيل القابعة خلف هذا الإنجاز، تكتب في دفتر الملاحظات عناوين كبيرة وعامّة مثل خسارة الوزن وإنشاء مدونة والحصول على شهادة الماجستير وغيرها من الخطط التي تُكتَب بلا دراسة ولا تفصيل، وحالما تقع فريسةً للتسويف والخوف من اتخاذ الخطوة. الأهداف المحققة هي عبارة عن تفاصيل مجهرية، خطوات بسيطة لا تلقي لها بالًا تقودك إلى أكبر النجاحات!

    في رياضة ركوب الدراجات، عانى الفريق البريطاني من هزائم ساحقة على مدى عقود، وكانت ترفض الشركات تزويدهم بالدراجات خوفًا من التأثير على اسم العلامة بشكل سيئ😵‍💫.

    بقي الفريق على هذا الحال حتى ٢٠٠٣ بعد تولي ديف برايسفولد مسؤولية التدريب.

     كان برايسفولد يسير وفق الروتين المعتاد: تمارين بدنية وتغذية سليمة ومعدّات مناسبة. بيد أن الفارق كان بالحرص على أدق التفاصيل الصغيرة والهامشية أثناء فترة التدريب، فقد عمل برايسفولد ومساعدوه على تحسين التفاصيل المهملة وغير المتوقعة: أعادوا تصميم المقاعد لتكون أكثر راحة واختبروا زيوت التدليك لتحديد الأسرع في تعافي العضلات وعيّنوا مختصًا لتعليم المتسابقين أفضل طريقة لغسل أيديهم للحد من احتمالية الإصابة بالبرد، وحددوا نوع الوسادة والفراش المناسبَين لجودة نوم أفضل، حتى إنهم حرصوا على طلاء أرضية مقطورة الدراجات بالأبيض؛ لملاحظة أجزاء الغبار التي قد تؤثر على أداء الدراجات ولو بشكل بسيط.

     أدّت هذه التحسينات الطفيفة خلال خمس سنوات إلى تغيير مستقبل الدراجة البريطانية إلى الأبد! حيث توالت الانتصارات خلال عشر سنوات من ٢٠٠٧ وحتى ٢٠١٧  وفازالدرّاجون البريطانيون بـ ١٧٨  بطولة عالمية و ٦٦  ميدالية ذهبية أولمبية وحققوا ٥ انتصارات في سباق Tour de France في أكثر الفترات نجاحًا في تاريخ الدراجات🚴.

    استخدم المدرب برايسفولد أسلوبا يدعى “مجموع المكاسب الهامشية” The Aggregation Of Marginal Gains والذي يُعنى بتغيير شيء في حياتك بنسبة ١% فقط، في حين تبدو البداية غير ملحوظة بتاتًا، تظهر التغييرات مع الزمن، وهذا ما تنص عليه القاعدة: تفاصيل صغير بنتائج تراكمية.

    خذها بلغة الأرقام📝:

    إذا حسّنت شيئًا في حياتك بنسبة ١% كل يوم، فستتحسن ٣٧ مرة بنهاية العام! 

    يذكرني هذا الأسلوب بصانعي محتوى الاستثمار الناقدين على كوب القهوة المسكين الذي تشتريه كل يوم فتضيّع على نفسك شراء سيارة خلال خمسين سنة، يؤمن أعداء كوب القهوة بمبدأ التحسين بنسبة ١% في المال، فحين لا يبدو كوب القهوة مكلفًا الآن، إلا أنه يعد نتيجةً لتوفيرك أو إنفاقك على المدى البعيد.

    وكما توجد مكاسب هامشية، فهناك أضرار هامشية على النقيض، فحين تمارس عاداتٍ سيئة غير ملحوظة في الوهلة الأولى، تتفاقم بمرور السنين. هناك دراسة أجريت في أمريكا تنص على زيادة وزن الأمريكان في منتصف العمر من نصف إلى كيلوغرام سنويًا، وحين يبدو هذا الرقم طبيعيًا، إلا أنه يتزايد دون إدراك حتى يتسبب بمشاكل صحيّة وخيمة!.

    “كم تمنّيتُ مرور الأيام ونسيتُ أنها عمري”


    تحقيق الهدف يحتاج إلى الصبر والكثير من الواحد  بالمائة لإحداث التغيير، فما النجاح والفشل سِوى عادات صغيرة تتراكم وتتفاقم، جهّز دفتر الخطط، وابدأ بكتابة التغييرات الهامشية التي ستغير مجرى حياتك، فكما يقولون في أحد أغاني سبيستون “لا تستهن بصغائر الأمور فبعضها يعني الكثير”✨

  • دراسة في أدب الأطفال: البعد الحداثي في حكاية الأرنب بيتر

    في المناسبات نرى الكثير من البهرجات والملابس الأنيقة كبارًا وصغارُا، أرى قريبي الصغير وقد ارتدى بذلة مقلِّدًا مقيدًا بأنشوطة حول رقبته بالكاد تفسح مجالًا لدخول الهواء إلى عنقه، يرتدي حذاءَ وجوارب، يلفّه معطف والعديد من الأوامر والتحذيرات، لا يستطيع اللعب أو أكل الحلويات لئلا تتسخ الحلّة الجديدة، وقد يتعرض للتوبيخ ان ابتعد عن مكانه بدافع الفضول.

    حين أرى حب الأطفال الدائم للعب والاستكشاف أتساءل: هل خُلق الأطفال للبس أبهى الثياب والجلوس بهدوء بجانب ذويهم, أم يحق لهم السير بحرية واستيعاب العالم؟ تجيب بياتريكس بوتر عن هذه التساؤلات في حكاية الأرنب بيتر.

    “حكاية بيتر رابيت” الأرنب الذي كانت تملكه بياتريكس بوتر في طفولتها وأصبحت تمثل به في رسائلها التي كانت ترسلها لأطفال مربيتها السابقة، مصحوبةً بالحكايا والرسومات. نشرت قصة بيتر رابيت عام 1901م وأصبحت من أكثر قصص الأطفال شهرةً على الصعيد العالمي، حيث بيعت منها 45 مليون نسخة، وتُرجمت لنحو 36 لغة في العالم,

    يمكنك قراءة حكاية بيتر من هنا, نعم الحكاية مقرصنة :d

    إن أوجِزَت الحكاية فهي مثل أي قصة أطفال أخرى: توصي السيدة رابيت أبناءها بعدم الذهاب إلى مزرعة السيد مكغوردن أثناء ذهابها لشراء بعض الحاجيات، فضول بيتر، ووجود مالذ وطاب من الخضراوات شجعاه للذهاب متجاهلًا وصايا والدته.

    ولج بيتر الحديقة مستمتعًا بأطيب الفواكه والخضار حتى لاحظه السيد مكغوردن وبدأت عملية المطاردة بين الإنسان والأرنب

    واسطاع بيتر الفرار أخيرًا والعودة للمنزل مجهدًا تعِبا..

    تعد حكاية الأرنب بيتر قصة تعليمية، حيث توضح العقوبات التي يواجهها بيتر إزاء عصيان والدته ومواجهته السيد مكغوردن في الحديقة، لكن القصة لا تتوقف هنا، فقد تكون الفكرة جليّة عند قراءتها، إلا أنها تحمل إشاراتٍ تناقض النص ذاته بوسائل أخرى، فترضي المجتمع وتننقده في قصة واحدة.

    بياتريكس بوتر:  مابين الحداثة والتقليد

    قبل التوغّل في حكاية بيتر، علينا أن نعي مسوّغات الكاتبة الأساسية لإخراج قصتها في كتاب مصور

    تعد بياتريكس من مناصري التربية الحداثية، حيث تنص على أن تنشئة الطفل السليمة تكمن في اكتشافه للطبيعة وعصيانه والديه، والتصرف بشكل أكثراستقلالية من اتخاذ للقرارات ومواجهة للعقوبات.

    بينما تُعنَى التربية التقليدية بالطاعة التامّة: لبس الملابس الراقية والتصرف بتهذيب طوال الوقت، يمنع التعبير عن الآراء والمشاعر، أو أي تصرف نابع من الطفل ذاته، وكل مايجعله فردًا من هذا المجتمع، وإن حاول التصرف باستقلالية أكثر واجه عواقب وخيمة.

    في عصر بوتر، يعد من الصعب التعبيرعن هذه الأفكار بشكل مباشر لتجنب تعرضها للهجوم من قِبل المجتمع التقليدي، ففي حالٍ كهذه، لجأت بياتريكس بوتر لما يسمى بأسلوب كتاب الصور “picturebook”

    من أكثر المعلومات التي أثارت اهتمامي أثناء الدراسة، أن قصص الأطفال ليست سواء، حيث تختلف بأنواعها ومضامينها، فكتاب الصور الإيضاحية illustated book يخلف اختلافًا جذريًا عن كتاب الصور picturebook المعنيّ في حكايتنا هذه.
    تعتمد كتب الصور الإيضاحية على النص اعتمادًا كليّا، وما وجدت هذه الرسومات إلا لتقريب المعنى وتزيين النص وبناء خيال القارئ، والقارئ الصغير على وجه الخصوص.

    بينما يختلف كتاب الصور عن هذا السياق, حيث تعد الرسومات في كتاب الصور جزءًا لا يتجزأ من النص، بل يمكن أن يمثل قصة مختلفة تمامًا! مثل اللوحات التي يجدها متذوّقو الفن داخل لوحات أخرى، فنجد هنا قصةً داخل قصة أخرى.

    يخضع كتاب الصور لعدة معايير ورموز في تصوير الكتاب، كشكل الإطار والألوان المستخدمة وغيرها، وكلها لها إيضاحات ودراسات قد يتم التفصيل فيها في تدوينة لاحقة.

    قد نشهد نوعًا من “الانزلاق الدلالي” في حكاية بيتر، حيث ترسل الكلمة والصورة رسائل متضاربة. فتكتب بوتر فيما يرضي المجتمع التقليدي وتوجه من خلال رسوماتها دلالات حداثية.

    أبرز الدلالات في حكاية بيتر:

    حينما كانت السيدة رابيت توصي بناتها المطيعات: فلوبسي، موبسي وكوتن تيل بعدم الذهاب إلى حديقة السيد مكغوردن, نلاحظ إعراض بيتر عنها, حيث كان يحدق في الأفق متأهبًا لمغامرةٍ جديدة

    تعد هذه الصورة مثالًا مباشرًا على الأسلوب التقليدي المذكور آنفًا، حيث تبدو والدة بيتر وكأنها تخنق طفلها بملابسٍ لائقة، ناهيك عن كونها غير مناسبة لطبيعة بيتر كحيوان أولًا ,،وطفل ثانيًا.

    حينما حاول بيتر الفرار من مزرعة مستر مكغوردن، علق زر معطفه بأحد الشِباك، إلى أنه استطاع الفرار حينما نزع المعطف العالق، وانطلق بأقصى ما يستطيع راكضًا على أربع.

    بمعنىً آخر، نجى بيتر فور انتزاعه مظاهر التقليد وانطلق بحرية، بطبيعته الحقيقية.

    عاد بيتر إلى المنزل بصعوبة، مجهدًا من الركض والرعب، مرميًا بجانب المنزل بلا معطف ولا حذاء، أبدت الأم كل مظاهر التعاطف مع بيتر، بلا نهر ولا خِلاف، مما تعد من المظاهرالحداثية التي تقصدها بوتر.

    تصرف السيدة رابيت يدعونا للسؤال

    هل تعد أم بيتر تقليدية أم حداثية؟

    تعد السيدة رابيت مصدر حيرة للنقاد, حيث تأمر بيتر بعدم البعد عن المنزل و تقيّده بالثياب، بيد أنها لم تفعل شيئًا فور عودته إلى المنزل، هل يستحق بيتر العقاب؟

    نرى هنا مشهدَا ذكيَا من بياتريكس بوتر،حيث قدمت السيدة رابيت إلى البنات العشاء، بينما حظي بيتر بشاي البابونج مقدمًا في جرعات وكأنه دواء مما يعد عقابًا بلغة الطفل-لكن في الوقت ذاته، يعد شاي البابونج مهدئًا للأعصاب، حيث نرى بيتر متراعدًا في سريره. فهل كان عقابًا أم مواساة؟

    تمثل هذه اللحظة تحديدًا أسلوب بياتريكس بوتر بين الحداثة والتقليد، وكأنها ترضي المجتمع التقليدي بتمثيل إعطاء بيتر للدوء المزعج، وترضي نزعاتها الحداثية بماهية هذا “الدواء”..

     لا يمكنني إخفاء انبهاري بذكاء بياتريكس بوتر، فمن الصعب الجمع بين متضادين في مكان واحد، ناهيك عن وجوده في قصة للأطفال، مما جعلها من اكثر أعمال الأطفال شهرةً ونيلها إعجاب النقاد.

    وبالعودة إلى قريبي فمامكث ساعة واحدة حتى خلع نصف ملابسه الزاهية متحررًا منها كبيتر ومعطفه الأزرق الشرير، وانطلق يلهو في أرجاء المنزل :).

  • Withering Heights: Heathcliff’s Persona

    Withering Heights: Heathcliff’s Persona

    Emily Brontë – Wuthering Heights Dell Laurel Edition LC169, 196| Cover Artist: Alberth Pucci

    Victorian literature has opened a new window to our world after the romantic era which was affected by the French revolution. Victorian literature was affected by the idea of home and abroad. Since the wide expansion of the British empire, British people had the opportunity to meet people from all races which develop the idea of belonging to home, home represents peace while abroad, the outside represents uncanny, the fear of encounter, foreign and unfamiliar. (Towheed, 2018). One of the famous figures in Victorian literature is the incredible novel Wuthering Heights by Emily Brontë. In the late 1700, in a Victorian society where women were not allowed to inherit any property from their father, or their father figure, Brontë’s novel succeeded widely Throughout the Victorian period until the present. Wuthering Heights is distinguished from any other Victorian work because of the honesty in portraying Victorian society, colonisation, racism, discrimination even diseases.

    The novel discusses many ideas related to home and abroad. The character who presented the outsider figure is Heathcliff, the dark-skinned orphan who came from Liverpool with the head of Earnshaw’s family. Throughout the novel, we will notice that Heathcliff has the most complicated persona, many critics argued about Heathcliff’s personality, whether he is a victim or a victimizer. Heathcliff’s complexity came up with many studies and theories for several approaches, such as psychoanalytical, postcolonial and Marxist.

    psychoanalytical Case Study:

    American psychologists Abraham Maslow, introduced his heretical pyramids of needs, placing the need for love, connection, and a sense of belonging, as the second basic human needs, that once should be acquired for the health of their well-being, and once who didn’t receive it, will be consumed by pathology and psychosis. Hence, considering the circumstances that Heathcliff has grown up with, motherless, humiliating, without a sense of belonging, and outcasted due to his racial origins. (Maslow, 2013) All of these qualities have shaped his attachment style, the concept that psychologist John Bowlby has introduced, that describes the way we form our bonds with others. He categorized the attaching styles into three main forms; the securely attached individual, who is full of abundance, has a healthy sense of anatomy and defined personal boundaries. Or avoidance of attachment, emotional withdrawal, fearing intimacy, vulnerability, and treating people with cold, passive-aggressive treatment. The anxious attachment, the individuals who fear abandonment, and form a sense of codependency with their love objects, that they become desperate, suicidal, and destructive, once they split away. (Bowlby, 2003)

    We can say that Heathcliff grows up anxiously emotionally attached, or rather dependent on the very person that nutrients him with love; namely Catherine, that it becomes an obsession of vendetta, once the source of his love, has turned away from him. His wound of rejection and abandonment fueled him to walk away, undertaking the path of self-purification, and come back as a wealthy, empowered man, that comes to take his revenge. Influenced by his earlier expression of toxic masculinity, he was tortured by Henry. Heathcliff repeats the same destructive behaviour of manipulating, physical violence, and authoritarian behaviours. Thus, the collective subconscious, as Carl Jung (Jung, 1981) once articulated it, has found its way to Heathcliff, who follows that approach toward his wife Isabella, and later towards his nephew Cathy, whom he forced her to marry his son Linton, so his son now can inherit her belongings, that Heathcliff will later possess. 

    The Effect of Post-colonial Circumstances

    The Victorian period is known for colonialism. During the late 1700s, Britain had invaded half of the globe from west to east, including many areas of India, which was called the British Raj. And as a circumstance, many orphans and children were brought from their countries as slaves or servants.

    Throughout Emily Bronte’s novel, we can regard the effect of the British Raj and how British people tend to treat outsiders like Indian or African people through the role of Heathcliff. mistreatment of Heathcliff can be noticed in the novel’s dialogue. the Earnshaw family used the term ‘primal repression’ referring to Heathcliff with the pronoun ‘it’ to prove that they don’t even consider him as a human being. From Mr Ernshaw, who said about Heathcliff ‘it’s as dark almost came from the devil’(WH, P.5), and Lockwood who described him as a dark-skinned gipsy to the servant Nelly Dean who used to contempt him because of his unknown origins. To convey a deep understanding of Heathcliff, Brontë emulated the common language used to describe Heathcliff’s behaviour. Uses words such as “a fierce, pitiless, wolfish man” (WH, P.81) to prove his animalist behaviour. Many philosophers and writers, especially women attacked Victorian society, Emily Brontë spoke with victims’ voices through Heathcliff. (Lodine-Chaffey, 2013)

    Brontë Attacks Society Trough Heathcliff

    In wuthering heights, we can notice the diversity of social classes throughout the novel, starting with the Lintons, who are considered to be the elite family, reaching the lowest class, the manual worker Heathcliff. Despite his origins and the postcolonial circumstances, Heathcliff’s social class played an important role in the abjection against him. He was adopted to be a son, but after Mr Earnshaw’s death, his son Hindley lowed Heathcliff’s class to end up being a servant in the Heights. The Marxist study shows how the protagonists Catherine and Heathcliff betrayed their selves and their passion to seek an upper social value. After spending weeks in the Thrushcross Grange, Catherine abandoned her lover Heathcliff and chose to marry Edgar Linton, saying that choosing Heathcliff will lead them to be beggars. Choosing a life partner could be motivated by the human need for social and economic status, When Heathcliff heard about Catherin’s decision, he also abandoned her for three years intending to raise his social status to be a capitalist, so we can say that they betrayed their love for their needs for power and validation. After Heathcliff returns with money and power, he decided to take revenge on everyone who abused him throughout his childhood by being a capitalist. Emily Brontë focused on the Victorian social class, the Marxist theory is presented by the way that Heathcliff took his revenge by using his social class. Fact, wuthering heights was published four months before Karl Marx’s book “The communist Manifesto’. (Karjohn, 2012)

    Emily Brontë has created Heathcliff in a really intelligent way, he is not merely a regular novel character, he represents the psychological statuses such as attachment and childhood trauma, political effects on people, and social studies which makes Wuthering Heights one of the most literary works studied by critics. 

    References

    Primary resource:

    Brontë, E., 1996. Wuthering Heights. Dover Thrift Edition ed. Mineola. new york Dover publications.

    Secondary resources:

    Bowlby, J., 2003. Attachment & Loss #1. In: Attachment. New York: Vintage Digital, p. 167.

    Jung, C., 1981. The Archetypes and the Collective Unconscious. p. 54.

    Karjohn, E., 2012. Self Betrayal: Marxist and Psychoanalytic Analyses of Emily Brontë’s Wuthering Heights. Dept of Languages and Literature / English, p. 32.

    Lodine-Chaffey, J., 2013. Heathcliff’s Abject State in Emily Brontë’s Wuthering Heights. In: brontë studies. Washington: Washington State University, pp. 206-2018.

    Maslow, A., 2013. In: A Theory Of Human Motivation. London: CreateSpace Independent Publishing, p. 29.

    Towheed, S., 2018. Home and abroad in the Victorian age. In: S. T. Nicola J. Watson, ed. Romantics and Victorians. Milton Keynes: the Open University, p. 153.

  • الهدايا، ومفهوم التراحم والتعاقد لدى المسيري

    الهدايا، ومفهوم التراحم والتعاقد لدى المسيري


    في ظل استشارة عائلية بشأن هدية بمناسبة تخرج أحد الأصحاب، قيل لي: “إن لم يكن شخصا عزيزا لدرجة أن يهديك في تخرجك، فلا داعي لإهدائه في المقام الأول”. هذه العبارة فتحت المجال للعديد من الأسئلة حول مفهوم الإهداء،أنهدي لأننا نحب، أم أنها مجرد عَقد يُوفى به بين اثنين؟

    ما بين الإهداء والمقايضة، أعادني الأمر بالذاكرة لكتاب “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر” للدكتور عبدالوهاب المسيري، حيث طرح مفهومًا للعلاقات الإنسانية بالرجوع لعلماء الاجتماع الألمان ضمن مسارين: التراحم(Gemeinschaft) والتعاقد (Geselleschaft)

    نستطيع الجزم بمدلولات المسارين من الوهلة الأولى، حيث يشير التراحم إلى العلاقات الإنسانية المبنية بلبِنات شخصية وأخلاقية، بينما يشير التعاقد إلى العلاقات المجردة المبنية على عقد الصفقات. يُشير التراحم إلى المجتمع التقليدي في أغلب الأحيان، والذي يعتمد بشكلٍ كبير على الرحمة والرأفة بين أفراده دون انتظار مقابل منهم، أما التعاقد- وهو ما يصف المجتمع الحضاري الحديث- مبني على العقود التي تُصَرف بين فردين، أي يشخص التراحم الأشياء، بينما يشيئ التعاقد الأشخاص.

    “دعوت أستاذاً جامعيًّا وزوجته لطعام العشاء، وشاءت الظروف أن الزوجين انفصلا بعد دعوتنا، ولكننا فوجئنا بالزوجة تدعونا للعشاء برغم أن معرفتنا بها كانت سطحية لأقصى حد. ومع هذا رحبنا بالدعوة ظنًّا منا أنها تود أن تستمر الصداقة بيننا، وذهبنا لزيارتها، ولكنها كانت المرة الأولى والأخيرة، إِذ يبدو أن الزوجين بعد أن انفصلا وجدا أن من واجبهما رد الدين”، حيث إِن الزوج ذهب إِلى أريزونا، وكنت أنا وزوجتي من نصيب الزوجة، المقيمة في نيوجرسي، التي قامت بدعوتنا للعشاء من منطلق تعاقدي محض، مما خًّيب أملي وجعلني أشعر أنني ضيعت وقتي.”

    نشأ المسيري في دمنهور، القرية المصرية التي تمثل التراحم في كتابه، وانتقل للدراسة في بلاد أكثر تعاقدية: أمريكا. هذا الصدام الثقافي بين البيئتين وضح تفاوت التعاقدية والتراحمية بين المجتمع القروي المصري، أي دمنهور، والمجتمع الأمريكي المتمدن.

    يمتاز المجتمع التعاقدي بسعة جهاته، فهو يُدار بناء على أساس غير شخصي، فيوجد عقد وعلاقة مؤطرة بمسمى معين. على عكس المجتمع التراحمي المُدار بدائرة أصغر غير مرتبطة بالدولة بشكل مباشر، فهي لا تتعدى شيخ القبيلة أو العمدة وكبير العائلة. العلاقات التراحمية غير محددة للعالم؛ لأن التعامل ضمن الإطار التراحمي يكون حسب معرفة الأفراد الشخصية، غير مكتوبة بمسمى وعقد.

    ” كنا نساعد أحد الأصدقاء الأمريكيين في نقل أمتعته من منزل لآخر. ونال العطش من أختي فأخبرتها أن تطلب ماء من أحد الجيران لأننا كنا في الشارع (كما نفعل نحن في مصر وفي غيرها من البلدان). فذهبت إِلى الجارة التي كانت تقعد أمام منزلها وطلبت ماء، فقالت لها الجارة: ?Why should I لماذا أفعل ذلك؟” فلم تفهم أختي الإِجابة، وجاءت لأفسرها لها، فأخبرتها أن هذه إِجابة منطقية في إِطار التعاقد والنماذج الرياضية المادية، وأن هذه السيدة رفضت أن تعطيها ماء لأنه لا توجد بنود في العقد تنص على ذلك ولا توجد أي فائدة تعود عليها من هذا الفعل.”

    لا يمكننا الجزم بسوء التعاقد أو جودة التراحم في كل المسائل، فالتعاقد يعني القانون، ينظر التعاقد إلى الشيء لا الشخص على عكس التراحم. ففي مجال العمل يكون التعاقد لازمًا، إذ أن المسؤول يبحث في مهارات المتقدم لا لشخصه أو نسبه، أما اذا كانت العلاقة مبنية على التراحم فيصبح الأمر “واسطة”

    “ولا يمكن لأي مجتمع أن تقوم له قائمة إن لم يكن هناك احترام للتعاقد وما يتضمنه من حقوق وواجبات”.

    عبدالوهاب المسيري

    الهدايا بين فوضى التراحم والتعاقد:

    يسهب المسيري في شرح مفهوم الهدية التعاقدي والتراحمي، حيث يختلف معنى الهدية في المجتمع المصري و الأمريكي:

    “ويتبدى هذا الصراع بين التراحمية والتعاقدية في الهدية، فنظام “النقطة” في الأفراح المصرية يبدو كما لو كان عملية تبادلية مع أنه في واقع الأمر هو نظام للزكاة وتوزيع أجزاء الثروة. ففي داخل الأسرة الواحدة الممتدة يوجد دائمًا الأغنياء والفقراء، فكان الجميع يعطون العروس نقطة: مبلغ من المال يدس في يد العروس بحيث لا يراه أحد ولا يعرف مقداره. وفي عملية التبادل هذه يعطي الأثرياء نقطة تفوق بمراحل تلك التي يعطيها الفقراء لعروس الأثرياء.”

    نلاحظ تراحمًا ظاهرًا في مفهوم النقطة، حيث يتم تقديمها حسب مادية الفرد، لا مجرد تبادل تعاقدي في الأموال بحيث تمثل القيمة ذاتها.

    ومن ناحية الهدايا، توجد قيمة في مجتمعنا العربي في عدم فتح الهدية فور استلامها، ففكرة استلام الهدية المجردة تجعلها تراحمية، أما النظر في ماهيتها يحولها إلى سلوك تعاقدي، لأنها تحولها من فكرة إلى مادة.

    مفهوم الهدية التعاقدي واستقبال الهدايا وردها والنظر في قيمتها يذكرني بالتجارة قبل ٣٠٠٠ سنة، حيث كان البيع والشراء يتم بالمقايضة: السكر مقابل البيض، أنياب الفيل مقابل فراء الماعز وهكذا. فأرى الهدية التعاقدية مجرد تجارة مستحدثة. يتلقى الطفل عشرين هدية من زملائه في الصف لعيد ميلاده فيجد نفسه يشتري عشرين أخرى خلال العام في عملية تبادلية مستمرة، وقد يُكسر هذا التبادل حينما يهدي معلمه نهاية العام أو صديقه المفضل لأنه يحبه في إطار تراحمي مطلق.

    أما بشأن قصتي فقمت بشراء الهدية واستقبلتها صديقتي دون فتحها مما جعلها تراحمّية، أشهر معدودة ستبين إن ردّت بضاعتنا إلينا (: