الوسم: هيدياكي أنو

  • هل قرأ هيدياكي أنو لغسان كنفاني؟

    هل قرأ هيدياكي أنو لغسان كنفاني؟

    لا أظن أن أحدًا ينسى ما حدث أيام الحجر المنزلي. ذاك المكوث القسري في المنزل لأيامٍ طويلة، تبقى وحدك بلا ساعات عمل أو دراسة أو اختلاط بالناس، أنت وأنت فقط.
    طغى خوفي من نفسي على خوفي من المرض، فكنت أهرب من مواجهتي، فأغرق في القراءة والمتابعة… في أي شيٍء أذوب فيه.
    ضمن محاولات الهروب هذه، شاهدت فلم The End of Evangelion (1997)، وتلته مصادفةً قراءتي لرواية أرض البرتقال الحزين. ورغم اختلافهما المحض، جمعتهما صرخة واحدة في وجه الجَمع، ومقاومة قمع الفرد وتذويبه في كيان واحد.

    قد تبدو هذه التدوينة ضربًا من أحلام العصر، فلا أظن أن هناك ما يجمع كاتبًا فلسطينيًا من الستينات بمخرج أنمي أواخر التسعينات، ولكنهما صورة واحدة في إطارين مختلفين. وفي زمن تتسارع فيه محاولات تشكيل «هوية جماعية» سواء بالخطاب السياسي أو الاجتماعي أو حتى الثقافي، تبدو هذه الفكرة ملحّة أكثر من أي وقت مضى.

    فماذا يبقى من الأنسان حين يذوب، ويصبح كلًا من كل؟

    نهاية إيفانجليون: مشروع تكامل الإنسان.

    أنتج إيفانجليون في أواخر التسعينات، تبدأ الحلقات بأبطال مراهقين يقودون روبوتات ضخمة لقتال وحوش تلقب بـ«الملائكة»، حتى تستمر بمتابعة الحلقات وتكتشف أنه يناقش أفكارًا أعمق، لتتحول الحروب ما بين الوحوش والآلة إلى الإنسان وذاته، وتنتهي منه بثلاث عقد نفسية ومليون سؤال 😀

    انتهى الأنمي بـ26 حلقة، أثارت النهاية جدلًا واسعًا بين المعجبين، حتى أعيد بناء آخر حلقتين في فلمنا المعني، بنهاية أكثر وضوحًا وتعقيدًا، تتوغل في نفس شينجي مستعرضة الكارثة النفسية والوجودية التي يعيشها والبشرية جمعاء. يناقش فقدان المعنى ، والرغبة في الهروب من الألم والخلاص عبر الذوبان في الآخر.

    تصل فكرة الذوبان إلى ذروتها في الثلث الأخير من الفلم، حين يفشل شينجي في بناء علاقات بمن حوله، ويبدأ كل ما بداخله بالتداعي، يبدأ البشر بالذوبان (حرفيًا) في سائل برتقالي سمّي بـ LCL في محاولة لصهرهم وتحويلهم إلى كيان واحد يحميهم من آلامهم وصراعاتهم، تلغى الحواجز النفسية، ويصبح الناس حالة مجرّدة وآمنة.

    قد يبدو هذا الذوبان في سياق إيفانجليون نوعًا من الخلاص، إلا أنه يعد هروبًا من الذات، وهذا ما رفضه شينجي في النهاية حيث اختار العودة إلى ذاته رغم هشاشتها، فمن حق الإنسان أن يواجه ذاته مهما اشتدت وطأة الرحلة.

    وفي سياق يعُد هذا الذوبان خيارًا، فهو قمع وقسر في روايةٍ أخرى، رواية أكثر واقعية، يعاني منها اللاجئ الفلسطيني منذ النكبة وحتى اليوم.

    أبعد من الحدود: تذويب اللاجئ من إنسان إلى «حالة».

    أرض البرتقال الحزين سلسلة قصصية كُتِبت عام 1962 على يد المناضل غسان كنفاني، تحكي قهر الفلسطيني في اللجوء والمنفى، وجوه هشّة، تحاول النجاة أو الفهم -وغالبًا ما تفشل في الحالتين- لتحكي عن الفلسطيني كإنسان تائه في قضية تكبره، بعيدًا عن الخطابات البطولية ورمزيات النضال.

    «لقد حاولوا أن يذوبوني كقطعة سكر في فنجان شاي ساخن، وبذلوا، يشهد الله، جهدّا عجيبًا من أجل ذلك، لكني ما أزال موجودّا رغم كل شيء.»

    تفتتح السلسلة بالقصة القصيرة أبعد من الحدود، على لسان أحد اللاجئين الهاربين السجن، مخاطبًا المسؤول:

    « ولكن يا سيدي، تذويب مليون إنسان معًا، ثم جعلهم شيئًا واحدًا متوحدًا، ليس عملًا سهلًا، ولذلك أعتقد أنك تسمح له إن احتاج ذلك الوقت الطويل… لقد أفقدتم أولئك المليون صفاتهم الفردية المميزة… ولستم في حاجة، الآن، إلى تمييز وتصنيف، أنتم الآن أمام حالة… فإذا خطر لكم أن تسموها لصوصية، فإنهم لصوص… خيانة؟ كلهم، إذن، خونة! فلماذا الإرهاق والتعب والنظرات البشرية المعقدة؟»

    تكشف القصة عن الحالة المأساوية التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني بما يُفقِده هويته، فترى الطبيب والمريض واللص والشرطي محشورون في كابوسٍ يسمى الملجأ، يذيبهم العدو ويجمعهم في حالة واحدة، كلهم لاجئون.

    يعد تجريد الإنسان الفلسطيني من إنسانيته واحدًا من الجرائم الناعمة التي يفعلها المحتل، فيجعله جزءًا من كل، حالة تجارية وسياحية يكوّن فيها الهلام البشري مزارًا للسياح، وديكورًا للصور ورمزًا للخطابات، وجزءًا من مؤسسات الحياة السياسية التي تدرّ الربح. يذوب الفلسطيني في ذاكرة جماعية لا تمنحه خيارًا فرديًا، موتٌ بطيء لكل ما يجعل الإنسان إنسانًا: اسمه وصوته، وحقه في أن يكون شيئًا وحده.ٌ

    رغم تشابه الفكرتين لكنهما تختلفان، ففي الوقت الذي كان هذا الذوبان في نهاية إيفانجليون خيارًا، يعدّه كنفاني نوعًا من القمع الممنهج، جريمة بحق الفرد و الفردية، تجعله سلعة في سوق النضال والمعاناة.

    ربما لا حاجة لأن يقرأ أنو لكنفاني، ولن تجد بين اللاجئ الفلسطيني والمراهق الياباني أي جسرٍ مباشر. فمهما تغيرت المعطيات وبعدت المسافات تلتقيان في نقطة واحدة: رغبة الإنسان أن يبقى نفسه، في مقاومة كل ما يحاول ابتلاعه.